فخر الدين الرازي
496
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إلى بعض حتى تمت العظام ثم أوحى اللّه إليه : ناد يا أيتها العظام إن اللّه يأمرك أن تكتسي لحما ودما ، فصارت لحما ودما ، ثم قيل : ناد إن اللّه يأمرك أن تقومي فقامت ، فلما صاروا أحياء قاموا ، وكانوا يقولون : « سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت » ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم ، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم . الرواية الثانية : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : إن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال ، فخافوا القتال وقالوا لملكهم : إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء ، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء ، فأماتهم اللّه تعالى بأسرهم ، وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا ، وبلغ بني / إسرائيل موتهم ، فخرجوا لدفنهم ، فعجزوا من كثرتهم ، فحظروا عليهم حظائر ، فأحياهم اللّه بعد الثمانية ، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم ، واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى عقيب هذه الآية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 244 ] . والرواية الثالثة : أن حزقيل النبي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا ، فأرسل اللّه عليهم الموت ، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا من الموت ، فلما رأى حزقيل ذلك قال : اللّهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك ، فأرسل اللّه عليهم الموت ، ثم إنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم ، فدعا مرة أخرى فأحياهم اللّه تعالى . أما قوله تعالى : وَهُمْ أُلُوفٌ ففيه قولان الأول : أن المراد منه بيان العدد ، واختلفوا في مبلغ عددهم ، قال الواحدي رحمه اللّه : ولم يكونوا دون ثلاثة آلاف ، ولا فوق سبعين ألفا ، والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم أزيد من عشرة آلاف لأن الألوف جمع الكثرة ، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف . والقول الثاني : أن الألوف جمع آلاف كقعود وقاعد ، وجلوس وجالس ، والمعنى أنهم كانوا مؤتلفي القلوب ، قال القاضي : الوجه الأول أولى ، لأن ورود الموت عليهم وهم كثرة عظيمة يفيد مزيد اعتبار بحالهم ، لأن موت جمع عظيم دفعة واحدة لا يتفق وقوعه يفيد اعتبارا عظيما ، فأما ورود الموت على قوم بينهم ائتلاف ومحبة ، كوروده وبينهم اختلاف في أن وجه الاعتبار لا يتغير ولا يختلف . ويمكن أن يجاب عن هذا السؤال بأن المراد كون كل واحد منهم آلفا لحياته ، محبا لهذه الدنيا فيرجع حاصله إلى ما قال تعالى في صفتهم : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [ البقرة : 96 ] ثم إنهم مع غاية حبهم للحياة والفهم بها ، أماتهم اللّه تعالى وأهلكهم ، ليعلم أن حرص الإنسان على الحياة لا يعصمه من الموت فهذا القول على هذا الوجه ليس في غاية البعد . أما قوله : حَذَرَ الْمَوْتِ فهو منصوب لأنه مفعول له ، أي لحذر الموت ، ومعلوم أن كل أحد يحذر الموت ، فلما خص هذا الموضع بالذكر ، علم أن سبب الموت كان في تلك الواقعة أكثر ، إما لأجل غلبة الطاعون أو لأجل الأمر بالمقاتلة . أما قوله تعالى : فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ففي تفسير جار اللّه وجهان الأول : أنه جار مجرى قوله : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول ، بل المراد